من هو برأيك رجل العام 2014؟

ليون يطلب استملاك عقار كبير وسط بيروت.. فهل عثر على مدرسة الحقوق؟

مي عبود أبي عقل -

في خطوة نوعية ومتقدمة، قرر وزير الثقافة في حكومة تصريف الأعمال غابي ليون، استملاك عقار كبير في وسط بيروت، ظهرت فيه اكتشافات أثرية مهمة، تحتّم المحافظة عليها في مكانها. لكنّ سؤالاً كبيراً يرتسم في الافق: في ظل السعر المرتفع للمتر في وسط المدينة، وبوجود مساحة تجاوزت السبعة آلاف متر مربّع، هل ستتمكن الدولة من التنفيذ والاستملاك؟

في قلب ساحة رياض الصلح في وسط المدينة، انتهت الحفريات الاثرية في العقار 1520 – منطقة الباشورة العقارية، حيث يقوم موقع لشركة “لاند مارك” الذي كان يزمع مالكوه إقامة مجمّع تجاري ضخم. لكن الاكتشافات الأثرية المهمة التي ظهرت فيه دعت الوزير ليون الى اتخاذ قرار باستملاك الموقع، ووجه في هذا الاطار كتاباً الى الشركة المالكة صاحبة العقار والى رئاسة الحكومة، يعلمهم فيه قراره المتخذ بالاستملاك، وأرفقه بملف يتضمّن الخرائط والوثائق والمستندات اللازمة التي تؤكد أهمية المكتشفات التي تظهر توسّع المدينة الرومانيّة خارج الاسوار، في الفترة البيزنطيّة، وربما مدرسة الحقوق التي اعطت بيروت لقب “مدينة الشرائع”.

طبيعة المكتشفات
يمتد العقار على مساحة 7600 متر مربّع، بدأت الحفريات الاثرية  فيه عام 2006، ثم توقفت نتيجة اعتصام “قوى 8 آذار” في وسط بيروت عامي 2007 و2008، ثم استؤنف في بداية 2009 بادارة الاثرية كريستين مطر بعينو على رأس فريق من اساتذة وطلاب الجامعة اللبنانية، بإشراف المديرية العامة للآثار، في اطار اتفاق التعاون الموقع بين الجهتين.

ويفصّل المشرف العلمي على الحفريات الاثرية في المديرية الدكتور أسعد سيف المكتشفات التي عثر عليها في هذا الموقع، وتتوزّع على حقبات عدة بدءاً من الفينيقية وصولاً الى العثمانية:

- الأقدم بينها مدفن من القرن الثامن قبل الميلاد من عصر الحديد، وقربه جرّة وبقايا هيكل عظمي.

- سور ضخم من العصر الروماني بعرض 9 أمتار باتجاه شرق – غرب، ويمتد الى تحت “التياترو الكبير”، ويتابع باتجاه مبنى “الاسكوا”. وبيّنت الاعمال الجيوفيزيائيّة في المناطق المجاورة التي لم تحفر بعد، تكملة لهذا السور. ويحتوي في وسطه على غرفة تعلوها قناطر، تبلغ مساحتها نحو 30 متراً مربعاً، تشكل جزءاً من هذا السور. وقد أعيد استعمال حجارته في فترات لاحقة في العصر الأموي.

- والجديد، بازيليك من الفترة الرومانية، بنيت قبل عام 391 م، استعملت حتى الفترة البيزنطيّة، ودمرها زلزال بيروت عام 551، ولا تزال آثار التدمير ظاهرة من خلال التيجان والاعمدة الساقطة في الاتجاه ذاته، حتى سقف القرميد الذي كان يغطيها سقط وغطى أرضها بسماكة 70 سنتيمتراً، وتحمل  بعض قرميداتها اختاماً برسم الصليب. تتألف الكنيسة من ممر رئيسي وممرين جانبيين، وأرضها مفروشة بقطعة ضخمة من الفسيفساء الملوّنة بطول 33 متراً وعرض 21 متراً، وتتوزع على اطرافها غرف جانبية. والى الجهة الغربية من البازيليك، تقوم غرفة  تضم حوضاً كبيراً للمياه الساخنة، كان يستعمل لاقامة طقوس العماد.

- يضمّ الموقع في ناحيته الشمالية منطقة ظهرت فيها امتدادات سكنية من الفترتين الرومانية والبيزنطية، تبيّن اهمية تلك المنطقة من مدينة  “بيريت”، في تلك الحقبتين. وبدءاً من أواسط القرن السابع استعملت تلك البقعة كمنطقة مدفنيّة بين نهاية الفترة الأمويّة وبداية الفترة العباسيّة، وتقوم على مستوى أعلى من مدافن الفترة البيزنطيّة.

- في الجهة الغربية، عثر على حمّامات للعموم تعود الى الفترتين الرومانيّة والبيزنطيّة.

- كذلك ظهرت منشآت مائية وخزانات مياه من العصر الروماني، اضافة الى طريق رومانيّة تتفرّع منها طريقان فرعيتان: واحدة باتجاه الشمال نحو بناية العسيلي، وثانية باتجاه الجنوب نحو الباشورة.

- وجد ايضاً في المكان ذاته تمثال نصفي صغير من الرخام بطول نحو 15 سنتيمتراً، من دون رأس، يمثل “ايزوقراطس” وهو فيلسوف يوناني وعالم في فن البلاغة، عاش في القرن الثالث قبل الميلاد، وكان يدرس في مدرسة الحقوق في بيروت.

من هنا يطرح بعض الاثريين الذين سبق أن عاينوا المكان، إمكان أن تكون الغرفة المكتشفة في وسط السور قد أوت أو ضمّت مدرسة الحقوق الشهيرة، التي لا يزال علماء الآثار يبحثون عنها. ويبقى الخبر اليقين في انتظار اكتمال البحوث والدراسات التي سيجريها علماء الآثار على مكتشفات الموقع.

أسباب الاستملاك
يعزو الدكتور سيف قرار وزارة الثقافة باستملاك الموقع الى أسباب ثلاثة:
1- البازيليك المكتشفة والتي تعتبر من الأقدم في لبنان.
2- سور المدينة وتفرّعاته الذي يعتبر نقطة مهمة جغرافياً.
3- المنشآت الضخمة على كامل العقار الذي يضم مباني من أواخر الفترة الرومانية والبيزنطية.
كل هذه العناصر والمعالم الاثرية المكتشفة في الموقع تعطينا فكرة عن تطور المدينة الرومانيّة، وكيف كانت، وكيف توسّعت خارج الاسوار في نهاية الفترة الرومانيّة وبداية الحقبة البيزنطيّة.  فهل سينجح الوزير في مهمته؟ وماذا سيكون الثمن؟