من هو برأيك رجل العام 2014؟

حرب القصير رسالة الى العدو: حزب الله أبدع في خوض حروب المدن

إبراهيم عبدالله| موقع المنار
مدينة القصير تقع على الحدود مع لبنان مواجهة لقرية القصر اللبنانية تبلغ مساحتها حوالي 35 كلم مربع.
تتضمن هذه المدينة بالإضافة الى المساحات الشاسعة والفلوات مطاراً عسكرياً يعرف بإسم (مطار الضبعة).تمت السيطرة على هذه المدينة منذ حوالي السنة ونصف من قبل المجموعات المسلحة ، وعاثت فيها فسادا وخرابا بعد ان قتلت قسماً من أهلها وهجرت القسم الآخر وصادرت البيوت والممتلكات.

وقتها دخلت المجموعات المسلحة مرحلتها الثانية والتي تمثلت بمضايقة القرى المجاورة وهي قرى حدودية لبنانية.

فطلب أهالي هذه المناطق الحدودية من الدولة اللبنانية المساعدة والحماية، ولكن لا حياة لمن تنادي (أتى رد الدولة: يا أيها اللبنانيون، أنا الدولة اللبنانية، لا أستطيع المساعدة، اني أتبع سياسة النأي بالنفس، عذراً لا تطلبوا مني شيئأ).

فعندما وصل الأهالي الى حالة اليأس من دولتهم، طرقوا باب المقاومة طالبين منها مد يد العون والمساعدة والحماية، وكعادتها لا تبخل المقاومة في بذل الدماء في سبيل حماية شعبها ووطنها، فأخذت على عاتقها هذا الملف، وحملته بصدرها رغم الآلام والجراح ذوداً عن الوطن والشعب بعيداً عن الحسابات الضيقة المذهبية والمناطقية والحزبية.

فجاء دور المقاومة بعد تقاعس الدولة.

عملت المقاومة على وضع الخطط العسكرية، وبدأ العمل على ثلاث مراحل:

أولا: مرحلة المفاوضات مع المجموعات المسلحة
بدأت المقاومة الإسلامية مرحلة التفاوض مع المسلحين على قاعدة (والمؤلفة قلوبهم) وذلك سحباَ لفتيل الفتنة (السنية – الشيعية) والتي يعمل عليها أعداء الأمة الإسلامية منذ زمن ، والمتمثلين بجبهة “ثالوث الشر والفساد في الأرض”. الجبهة الاولى تتمثل بالحلف الأطلسي وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية، والثانية بالصهاينة المتمثلين (بدولة إسرائيل) الكيان الغاصب، وجبهة الاعراب المتمثلة بانظمة باعت نفسها للاجنبي، وعلى رأسهم مشيخات الخليج النفطية والمتسلحين بالأموال القذرة والتي تنبعث منها رائحة الدم والموت والفتنة.

في هذه المرحلة ، عمل حزب الله على الاتصال بالمجموعات المسلحة من أجل كف شر هذه المجموعات عن المواطنين اللبنانيين من كافة الطوائف. ووصل الامر الى حد عرض دفع فدية مقابل اطلاق سراح مواطنين اعتقلتهم عناصر مسلحة، ولكن هذه الطريقة لم تؤت أكلها ، لأن المجموعات المسلحة لم تلتزم دائماً بإتفاقات الهدنة المبرمة ، فتعود لإرتكاب جرائمها ضد المواطنين، فقررت قيادة المقاومة ، والحال هذه، الانتقال الى المرحلة الثانية .

ثانيا: مرحلة الإشتباك المحدود (التحرش بالنار وجس النبض)
بعد تفاقم الأحداث والوصول في المرحلة الأولى الى طريق مسدود، إنطلقت المقاومة الى العمل عبر خطة ممنهجة قائمة على مرحلتين متتابعتين:

أ- مرحلة تسليح المواطنين للدفاع عن أنفسهم ، والقيام بتشكيل لجان شعبية تعنى بالدفاع عن تلك المناطق في وجه هجمات المجموعات المسلحة.

ب- مرحلة التحرش بالنار وجس النبض بعد أن رصدت المقاومة الإسلامية تحركات المجموعات المسلحة، ودرست طريقة تفكيرهم وتكتيكاتهم العسكرية والميدانية العملانية، والهدف من ذلك إيصال رسالة الى المجموعات المسلحة مفادها ( نحنا مش ضعاف، لا تختبروا قوتنا).

بعد تطبيق هذه المرحلة إكتشفت المقاومة الإسلامية أن المجموعات المسلحة أسيرة ثلاث عقد لا يمكن تجاوزها.

1- عقلية التعجرف والتعنت والإستكبار.

2- الحقد الأعمى نتيجة الشحن المذهبي الضيق.

3- الغباء المستشري عند قادة وعناصر المجموعات السلحة.

في هذا الوضع القائم تحتم على قيادة المقاومة الإسلامية نتيجة المعطيات الدقيقة المتوفرة ، والمعلومات الإستخباراتية الموثقة، وتشخيص الوضع من قبل ضباطها على الارض التوصل الى حقيقة مفادها، (الوضع خطير جداً على المواطنين اللبنانيين وأمن المقاومة) ، فبات من الضروري على قيادة حزب لله الإنتقال الى المرحلة الثالثة.

ثالثاً : مرحلة المواجهة الشاملة والدخول والتحرير
بعد تفاقم الوضع الأمني والعسكري في المناطق الحدودية مع سوريا ، فرضت المرحلة الثالثة نفسها ، فما كان من حزب الله ، إلا الإستعداد لخوض معركة الى جانب الجيش العربي السوري ،لأن العالم أراد من مدينة القصير أن تكون بمثابة “لينينغراد العصر”، حيث أصبحت ساحة حرب بكل معنى الكلمة بين محورين محور المقاومة والممانعة والكتلة الروسية – الصينية ومجموعة دول البريكس من جهة ، ومحور الأميركي الأطلسي الإسرائيلي التركي الخليجي من جهة ثانية.

فتحتم على حزب الله وضع الخطط العسكرية، إيذاناً بخوض حربٍ واسعة النطاق. وكانت إطلالة سماحة السيد حسن نصر الله واعلانه بوضوح أن معركة القصير هي دفاع عن ظهر المقاومة.

إنطلقت المعركة ، وحزب الله كعادته عمد الى إدخال الصدمة والذهول الى عقول القادة العسكريين في المعسكر الغربي والإسرائيلي ، فكانت حرب أدمغة بين حزب الله والمعسكر الآخر على أعلى المستويات .

مرة جديدة ، يُدخل حزب الله نسقاً جديداً من التكتيكات والدروس العسكرية ، حيث عملت مراكز الأبحاث والدراسات العسكرية المعمقة على إدخال نظريات حزب الله القتالية في مدارسهم العسكرية .

ذهول القادة الغربيين من أداء حزب الله ، دفعهم لمتابعة سير المعارك في القصير أول بأول ولحظة بلحظة عبر الأقمار الإصطناعية لهول ما شاهدوه من قدرات عسكرية من حيث العتاد والعديد والتكتيك والكفاءات على أرض المعركة.

تكتيك حزب الله في معركة القصير
انتقل حزب الله من مرحلة (الإستراتيجية الدفاعية ) أي مقاومة تصد العدوان وتدافع، الى مرحلة (الإستراتيجية الهجومية ) أي قيام المقاومة بالمبادرة والهجوم وإحتلال المناطق وإنتزاعها من الخصم والسيطرة عليها في وقت يعتبر قياسيا طبقاً لظروف ومجريات المعركة.

وجاء دخول حزب الله الحرب في القصير الى جانب الجيش العربي السوري ليشكل في نفس الوقت تدربيا للمجاهدين في إطار المحاكاة لمناورات عسكرية بالأسلحة الحية ، وتحضيراً وتجهيزاً للحرب المقبلة مع العدو الصهيوني التي ستكون أولى معالمها الدخول الى الجليل في فلسطين وتحريره. وهنا بيت القصيد ، اذ يبدو ان الغرب والصهاينة فهموا الرسالة التي أرادت المقاومة إيصالها. وأصبح من البديهي تفهم خوفهم ورعبهم ، وبات على الآخرين بعد الان درس خطواتهم ومواقفهم بشكل محسوب ودقيق ، لأن اللعبة قد دخلت شوطها الحاسم ، وفي مرحلة ما يسمى الوقت الضائع ، والكل يسعى لتسديد الهدف الذهبي الذي على أساسه تحسم الأمور.

في هذه الحرب ، أخرج حزب الله من جعبه نظرية (إدارة النيران والإشتباك ) والقائمة على التنسيق الدقيق بين كافة الوحدات والقطع العسكرية .حيث تم إستخدام سلاح الرصد الجوي وسلاح المدفعية والصواريخ لضرب تحصينات العدو والأهداف البعيدة ضمن إطار الإسناد الناري البعيد لتغطية هجوم المدرعات والمشاة .

ثم يأتي السلاح المباشر المتمثل بسلاح الدبابات والمدافع ال106 ملم وB9-B10-HAWTZER-TAW- إضافة الى الأسلحة الرشاشة الثقيلة ضمن إطار الإسناد الناري القريب لتغطية هجوم فرق المشاة والإلتحام والإطباق وفرق التخريب والهندسة لفتح ثغرات بدفاعات العدو، إفساحاً في المجال لفرق الإشتباك من الدخول والسيطرة .

وتجدر الإشارة الى أن حزب الله عمل للمرة الاولى في ميدان يتم التنسيق فيه مع الطيران الحربي في إطار السيطرة الجوية والإنقضاض على الجماعات المسلحة بهدف تبديد وتشتيت القوى النارية للأعداء وإلحاق الضرر والتدمير بأكبر عدد منهم ، بالإضافة الى تدمير خطوط الإمداد من المناطق المجاورة القريبة والبعيدة.

هذا التنسيق الدقيق بين كافة الوحدات العسكرية البرية فيما بينها وبين الوحدات البرية والجوية أذهل قادة الجيوش الغربية والصهاينة. كيف لحزب صغير مهما بلغت قوته أن يدير حرب شاملة على كافة المستويات والأسلحة ، ويخرج منها منتصراً بأقل الأضرار المادية والبشرية، خصوصاً أن العالم أجمع قد استعد جيداً لمثل هكذا معركة ، منذ ما يقارب السنة والنصف.

نعم لقد وصلت الرسالة الى العدو الصهيوني ، وفهم أن حزب الله 2006 غير حزب الله 2013 ، وفهم جيداً معنى كلام سيد المقاومة لمجاهديه حينما قال لهم :” كونوا مستعدين ليوم قد تطلب منكم قيادة المقاومة في الحرب المقبلة الدخول الى فلسطين والسيطرة على الجليل”.

لقد فهم العدو الصهيوني حقيقة هذا الكلام. وهذا الفهم ما كان ليكون لولا معركة القصير التي قاتل فيها حزب الله المجموعات التكفيرية والإسرائيليين ولو من خلف الستار والحلف الأطلسي وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية وعملائهم الصغار من أتراك وأعراب. كانت حرب أدمغة ، إنتصر فيها عقل حزب الله على عقول حلف الجبابرة والمستكبرين والمنافقين. وبعد القصير تكر سبحة الدومينو.